القناعاتُ نتاجٌ لتأمُّلٍ طويلٍ وتفكيرٍ عميقٍ تَهتدي من خلالهما لنهج جديد تبدأ خطواته بإيمان وشجاعة، وإن كان سيرك عكس اتجاه الجميع.
قرار قد يظنّه البعضُ عسيرًا، بينما تراه بديهيًا، وَوَاجب النفاذ، ما دام وَقودُ الحُلم متّقدًا، وفتيل الجرأة مُشتعلًا.
في هذا المقام تحضرني قصةُ تحوّل الممثل البريطاني مايكل شين الحاصل على العديد من الجوائز من مجرّد ممثل إلى مثال رائع جدير بالاقتداء به.. فقد قرَّرَ بشجاعةٍ وتفرّدٍ أن يسير عكس الاتجاه، وهو في قمة نجاحه، فغيّر حياته تمامًا وأعلنَ عن فكرٍ جديدٍ يتمثّل في تعريف نفسِه بأنَّه «ممثل غير ربحي».
قائلًا: »لم أعد أريد أن أكون ممثلًا غنيًا.. أريد أن أكون إنسانًا مفيدًا”.
فوهب أجرته وأرباحه التي يجنيها من أعماله لمشاريع الخير والمبادرات الإنسانية.
فقد أدرك أنَّ القيمةَ الحقيقيةَ للفنِّ تكمنُ في قدرتِه على التغيير لا في عدد المُشاهدات أو الإيرادات، التي يبذل من أجلِها أغلب روَّاد وسائل التواصلِ، الغاليَ والنفيسَ إلا من رحم ربي!
ويأتِي هذا القرارُ مُتأثرًا بعمقٍ من نشأته في مِنطقة صناعية فقيرة أثَّرت التحولات فيها تأثيرًا كبيرًا في توجيهه.
فقد شاهد بعينيه ما يفعله الفقرُ بالناس، ما حفّزه لتغيير مسار حياته الثري، وتحقيق حُلمه بالسير عكس الاتجاه!
فبادر «الممثل غير الربحي» ببيع منازله المترفة؛ لتمويل مبادرات لدعم المشرّدين، ومؤسسات تقدم المأوى والغذاء للمُحتاجين.
فالتبرعُ بالنسبة له ليس عملًا عابرًا بل أسلوبَ حياة، حتى إنه اشترى شركة ديون كاملة ليسقط عن الناس
ما عليهم من التزامات، ويمنحهم بدايةً جديدةً خاليةً من الهموم، كحُلم كل المديونين حول العالمِ.
إنَّ أجملَ ما يقومُ به في رأيي، أنَّه لا يتباهى بما يفعلُ، ولا يبحثُ عن تصفيقٍ جديدٍ في عالم الاستعراضِ البغيضِ الذي يطغى على النّبل الإنسانيّ ويفرّغ العطاءَ من مضمونه؛ لأنه يرى العطاءَ واجبًا طبيعيًا على كل إنسانٍ قادرٍ، بكل بساطة. وبينما يسابق العالم بعضَه بعضًا نحو المال والسلطة، اختارَ هو أن يكتفي بالمحبَّة، وأن يجعل من إنسانيّته رسالة لا تنتهي، فهذا هو الثراء من وجهة نظرِه.
لقد أعطى المُمثلُ المتميزُ مايكل شين درسًا عظيمًا لقطاع التمثيل، مُفادُه: أنَّ أعظم الأدوار لا تُؤدَّى أمام الكاميرات، بل تُكتب في الحياة نفسِها.
— نورة المسيفري
