من بديع صنع الباري عزَّ وجلَّ وعجائب خلقه، الذاكرة التي ترصد كل تحريكةٍ وتسكينةٍ، يدعمها في ذلك عين ترى، وأذن تسمع، وقلب يشعر، وعقل يفكر.
فتأتي الأحداث مضمخة بعبير يؤججها فلا تُنسى أبدًا.
والأعجب أنه حتى لو فنيت الذاكرة تبقى بعض الوجوه وقصصها ماثلة بحنينٍ موجعٍ لا مثيل له، حيث لا اسم ولا عنوان !
فقط، وجع مزمن يتجدّد كلما لاحت تلك الوجوه صدفة أو بفعل فاعل.
إني أرى الذكريات مرضًا مزمنًا يسرق العافية ويسلب السكينة ولا يعالجه الدواء، كما هو حال غيره من الأمراض المُزمنة الأخرى.
حتى الذكريات السعيدة تفقد أثرها حين يغيب أبطالها الغياب القسري أو الاختياري، فتتحوّل من ميزةٍ تفرح القلب وتسعد النفس، إلى وجعٍ عميقٍ يُجدّد الألم ويفرغ الطاقة !
في كل الأحوال يبحث الجميع عن مُنعشات للذاكرة للحفاظ عليها لامعة كحد السكين.
بل، حتى التقنية وضعت بدائل إلكترونية تُحفّز الذاكرة بالصور والذكريات القديمة فتُعيد إرسالها إليك موشومة بالوقت والتاريخ فتأخذك إلى عبق الحدث ومشاعره حينها، فتسعد بها أو تدمر خلاياك خلية خلية.
البعض منكم سيجد مبالغةً في توصيفي، لكنهم حين يمرون بما مر به مرضى الذكريات سيعلمون أي منقلب سينقلبون.
أما البعض الآخر فقد تُجدّد فيهم كلماتي أوجاعًا يُقاومونها، ويُحاولون طمسَها لكنهم لا يستطيعون.
ولهم جميعًا أقول: اذكروا الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب وتشفى الندوب.
— نورة المسيفري
