بعد انقضاء موسم الإجازات الرسمي وعودة الطيور المسافرة إلى أعشاشها بعد تحليقها في السماوات، هل فكرت – عزيزي القارئ – يومًا في فوائد السفر؟
لعلَّ أشهر من عدّد تلك الفوائد في تراثنا العربي هو الإمام الشافعي في قوله:
تغرَّبْ عن الأوطان في طلب العلا
وسافر ففي الأسفار خمسُ فوائد
تَفَرُّج همٍّ واكتساب معيشة
وعلم وآداب وصحبة ماجد
فإنْ قيل في الأسفار ذُلٌّ ومحنة
وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد
فموت الفتى خيرٌ له من قيامه
بدار هوانٍ بين واشٍ وحاسد
أما عني، فإني أرى في السفر رحلة متعة وتعلّم، فلا شك أن تغيير المكان ولو لفترة زمنية قصيرة يحرّك المياه الراكدة، ويجدّد طاقة السعادة في قلوبنا، فتزول الأكدار وتصفو العقول، وإن صفت العقول مارست دورَها الحقيقي في قيادة سفينة الحياة بشكل أفضل وأكثر قوة، إن الإنسان بعد عودته من السفر يكون مختلفًا عما كان قبل سفره، ولو بنسبة بسيطة، لكنها فارقة تؤثر في محيطه بعد عودته، وهذا الأثر هو ما يجعل البعض مدمنًا للسفر، وفي رأيي إن سفر المسلم يجب أن يكون عبادةً في المقام الأول، فالتأمل في خلق الله، إنسانًا كان أو مكانًا، يشحذ الإيمان، ويجدد الشعور بعظمة الخالق ومجده.
فالاختلاف بين البشر، والتباين في الطبيعة المحيطة، شواهد على عجائب قدرة الله سبحانه وتعالى، ومن تلك المخلوقات العجيبة التي وقعت في غرامها في رِحلاتي الأخيرة، السحب والغيوم، فالغيوم تختلف حينما تطير فوقها، ولا تملك أمام هذا الاختلاف إلا التهليل والتسبيح والتكبير لعظمة الخالق وإبداعه، عشقتها فعكفت على تصويرها في كل رحلة، حتى تراكمت عندى مجموعة رائعة من الصور التي تجعلك تشعر بأنك تشاهد الغيومَ لأول مرة في حياتك، وحقيقة.. لكل سفرة في حياتي ألبوم صور لا يشبهه أي ألبوم، فلكل إنسان التقاطاته، إن جاز لي التعبير، خاصة بعد حصول الجميع على كاميرته الخاصّة عبر الجوال الذي يلتصق بأيديهم، ليل نهار، إلا أن زوايا الصور ومساحات الجمال فيها تختلف باختلاف العيون وسعة رؤيتها، والعقول ودقة حكمها، والقلوب وصفاء مشاعرها، فسافر عزيزي القارئ، ولا تفوّت على نفسك فرصة اكتشاف العالم من منظورك الخاص، ففي ذلك فائدة ومتعة، صحبتكم السلامة في الحل والتَّرحال.
— نورة المسيفري
