يشغلني كثيراً الأثر الذي يتوجب على الإنسان أن يتركه أينما حلّ وارتحل، وخاصة عند الرحيل الكبير، حيث لا مجال للعودة من جديد.
أمس الأول وصلتني رسالة تنعى السيدة الفاضلة عائشة المهندي، وهي أشهر من أن تعرّف، رحمها الله وأسكنها فسيح جناته. ولذا سأكتفي بأن أصفها بالظاهرة التي ارتبطت ببرنامج الجماهير الإذاعي وطني الحبيب صباح الخير.
وسأقتبس من تلك الرسالة الأوصاف التالية (صوت المواطن القطري- صوت من لا صوت له - صوت البائس المسكين) ليتعرف عليها الجميع.
بالفعل كانت الفاضلة عائشة المهندي -رحمها الله- صوتاً مميزاً واثقاً سخّر قدراته في التعبير ومهاراته، كسعة الاطلاع والفهم والتحليل، لخدمة قضايا الوطن والمواطن في هذا المنبر الحر الذي تقدمه إذاعة قطر لسنوات طويلة، فاقترن به صوتها، وهي التي تصف نفسها بأنها صديقة البرنامج، ونراها صديقة من لا صوت له.
فكم شدّتنا مشاركتها في البرنامج، وكم أعجبنا بمداخلاتها تعقيباً على شكاوى ومشكلات طرحها الناس، فحوّلتها تلك المداخلات لقضايا رأي عام تتداولها المنتديات والمجالس، بل حتى في الاجتماعات العائلية.
وربما لا يعرف البعض أن الفاضلة عائشة -رحمها الله- ولدت كفيفة البصر ببصيرة نافذة تسبر أغوار الناس وهمومهم، وتطرحها بجرأة وثقة وثقافة واسعة بعيداً عن الشخصنة، حرصاً منها على جميل الأثر وقد نالته. أثر جميل جعل خبر وفاتها يمس كل قطري وقطريّة لم يعرفها بشكل شخصي، وإنما تعرّف إلى روحها الجميلة وشخصيتها الجذابة وصوتها القوي الصادح بالحق.
فتحوّلت الرسالة إلى «هاشتاق» يمرّ بهواتف الناس دون ترتيب مسبق، لكنه شعور المجتمع بالحزن لفقده الظاهرة عائشة المهندي -رحمها الله- وألهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان.
وأعود للاقتباس من الرسالة نفسها (سيبقى صوتك رناناً ومدافعاً عن الحق) لنعلم جميعاً أن الإنسان راحل وإن أطال البقاء، لذلك وجب علينا العمل باجتهاد لترك الأثر الجميل.
إضاءة
أن تترك أثراً جميلاً في حياة الآخرين ليذكروك به بعد الرحيل ليس مهمة مستحيلة، لذا اعمل على تحقيقها ما دامت الفرصة مواتية قبل أن تحرم فرصة أخرى..
— نورة المسيفري