يقول المثل العامي: الجنة من غير ناس ما تنداس.
وهو بلا شك دلالة على أهمية وجود الناس في حياة الإنسان بإيجابياتهم وسلبياتهم، فالوحدة عدو قاتل.. والبعد عن الناس ليس غنيمة في المطلق.
فنحن لا نقوى على العيش وحدنا، ولا بد من الناس وإن طال الطريق.
ولم يغفل الإسلام عن هذه العلاقات المهمة، ونظّمها بحسب القرب والبعد، ولم يترك شاردة ولا واردة في هذا المجال إلا ذكرها ووضع شروطها ومحاذيرها.
فمن العلاقة المقدسة بالوالدين والأبناء والأزواج والإخوة، مروراً بالأصدقاء والجيران وحتى المارة في الطريق، وضع الإسلام أطراً تراعي حقوق الله -عز وجل- ثم حقوق الناس التي تقيد قدمي الإنسان قبل دخوله الجنة، بما يسمى بالقنطرة، فلا يتجاوزها من جار على الناس وسلبهم حقوقهم حتى يسامح صاحب الحق.
وفي ذلك يأتي الحديث الشريف:
((حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَة عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِي رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِيْ الدُّنْيَا)) فتح الباري للإمام ابن حجر..
وقد يتخوف الإنسان من السير على هذا الدرب الشائك، فيرى في اعتزال الناس حلاً مريحاً ليحمي نفسه من ذلك المصير، إلا أن أحب الناس أنفعهم للناس، كما جاء في الحديث الشريف، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله -عز وجل- سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل. والحديث حسنه الألباني رحمه الله.
لذلك بدلاً من اعتزال الناس، اتقاءً لما قد يشوب العلاقة بهم من كدر يستوجب الوقوف على القنطرة بادر إلى تحسين علاقتك بالناس أجمعين قبل أن تغادر دنياهم.
فالمصالحة والمسامحة والعفو عنهم أدوات خير تنقي تلك العلاقة وترتقي بها..
فالصلح خير كما أخبر الله -عز وجل- والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس لهم الأجر العظيم.. وفي الوقت نفسه لا يحبذ الإسلام ظلم النفس، فلنفسك عليك حق..
لذلك ينبغي على المسلم أن يكون ملتزماً بدينه أوامره ونواهيه، ليكن طريقه في الحياة سالكاً سالماً مزهراً.
فيتقي قدر الإمكان ظلم الناس، وإذا ظلم اعتذر، وإذا وقع عليه الظلم سامح، وإن لم يستطع فيتوكل على الله -عز وجل- ليأخذ حقه وليتذكر دائماً أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من سره أن يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه».
إضاءة
ولأبدأ بنفسي فأعتذر ممن ظلمته وسلبته حقه، فالأمر لا يخلو، فما نراه هيناً هو عند الله عظيم.. وأدعو من لا يقبل هذا الاعتذار أو يراه غير كافٍ أن يتواصل معي..
كما أود أن يعلم جميع من ظلمني ظلماً صغيراً أو كبيراً أني قد عفوت عنه رغبة فيما عند الله من خير.
— نورة المسيفري