قول أعجبني حتى وضعته في «حالة الوات ساب» مفاده: «على سبيل السعادة دع الخلق للخالق»، فالاشتغال بالناس وتصرفاتهم وسلوكياتهم مجلبة للهم والشقاء، ويأخذك إلى دروب النميمة والغيبة، ويجعلك ممن امتهن القيل والقال وكثرة السؤال، وكلها أمور قد نهى عنها الإسلام صراحة، وتوعد من يمارسها بالويل والثبور وعظائم الأمور.
إلا أن تعليم الناس ذلك كالحفر على الماء، لا يبقي أي تعاليم ولا يذر، خاصة في وجود وسائل التواصل الاجتماعي التي أفرزت لنا فئات غريبة يصفها الرطيان توصيفاً دقيقاً بقوله:
تتبعك وكشفك لأخطاء من هم حولك لن يجعلك «المصيب» الوحيد فيهم، لكنه حتماً سيجعلك «المصيبة» الأكبر بينهم. وبما أن رمضان موسم ديني، فمنسوب الدين قد ارتفع عند صاحبنا «المصيبة» فراح يتصيد البدع -كما يحلو له تسميتها- وحين تتأملها تجدها اجتهادات يأمل صاحبها تجويد عبادته دون إلزام لغيره بما يقوم به من أمور تقع في نطاق الهامش لا المتن، وتصب في أمور الدنيا لا الدين.
فالله -عز وجل- يقول في تمام الدين: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» إذاً القرآن لم يترك لنا في صلب الدين ما نجتهد به ونبتدع فيه. فعلى هذا نتفق، كما نتفق على قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ».
إلا أنه هو ذاته عليه الصلاة والسلام قال: «استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك».
لذلك على جيش البدع الذي تفرّغ لاصطياد الأمور العادية وإلباسها ثياب المحرمات والموبقات، عليه أن يهدأ وينشغل بإصلاح دينه أولاً حتى يبلغ تمامه.. ومن ثم الاشتغال بأمور الناس إن وجد وقتاً لذلك.. فالبدع المنهي عنها هي بدعة الدين المرفوضة جملة وتفصيلاً، لأن الدين جاء تاماً وكاملاً، ولا حاجة بنا بمن يبتدع لنا ديناً جديداً.
ولكن هناك بدع «إن جاز لنا التعبير» في أمور الدنيا وهي نوعان، مقبولة إذا اتفقت مع شرع الله، ومرفوضة إذا تعارضت معه.
ولو استسلمنا لجيش البدع الذي يغزو الفضاء الافتراضي يكفر من يكفر ويهاجم من يهاجم دون ورع أو تقوى بسبب «القرنقعوة» مثلاً لا حصراً!!! لما ازدهر العمل الخيري -مثلاً لا حصراً- وهو مجال شهد مؤخراً الكثير من الابتداع والابتكار.
إن الأمر قد وصل إلى أن ينشئ أحدهم «هشتاق» يصف فيه الإمام الذي يطفئ الأنوار في الصلاة بالمبتدع و»تعال عاد – لردود البعض التي تخرجهم من الملة بالإجماع»، عدا أنه إشغال الناس بما يضيع دينهم ودنياهم..
بصراحة لا أدري ما المشكلة في إطفاء النور لاستحضار الخشوع، أليس هذا اجتهاداً مأجوراً بإذن الله، لأن الأعمال بالنيات؟
أليس من باب أولى النهي عن زخرفة المساجد بما يزيغ القلب والنظر ويسرق الخشوع!
وقد ورد في ذلك أحاديث صريحة وواضحة، فقد روى الإمام أحمد عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد».
وقال البخاري في صحيحه: «قال أنس: يتباهون، ثم لا يعمرونها إلا قليلاً، فالتباهي بها: العناية بزخرفتها. قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى».
وقد توعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه الزخرفة وعيداً شديداً، وهو فيما رواه الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: «إذا زوقتكم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم»، قال الألباني في صحيح الجامع: إسناده حسن.
هذه هي البدع التي تستوجب الرد، لا إطفاء الأنوار الذي أثنى عليه المصلون ووصفوه بأنه خلق أجواء روحانيّة، مما يدل على سداد خطوة الإمام وصواب اجتهاده، بعد أن استفتى قلبه وأفتاه؟
إخواني – أخواتي
اسأل الله لكم الأجر والثواب لحرصكم على دينه، ولكني أحذركم من أن تكونوا من أولئك الذين وصفهم الله -عز وجل- بقوله:» قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا».
إضاءة:
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبنا جميعاً، ولكن نود أن من يتصدى له يخضع للأمر الإلهي التالي « ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».
تقبل الله منّا ومنكم صالح الأعمال والأقوال
— نورة المسيفري