طوى الأسبوع الماضي عادة تراثية جميلة أحببناها منذ درجنا في الفرجان البسيطة والجيرة الطيبة.
القرنقعوه بمكسراتها وبعض العملات المعدنية المخبأة كمفاجأة رائعة لطفولتنا حين كان لتلك العملات ثمن -ولا يمكن استبدالها بعلكة رخيصة- القرنقعوه بأهازيجها المميزة والتي ينتشي بها من يرد اسمه خلال سطورها أكثر، فما زلت أفرح بعمق حين أسمع الصغار يرددون يا أم السلاسل والذهب يا نورة، عادة جميلة تثير داخلنا كل ذكريات الطفولة العابقة برائحة البساطة والبراءة.. ترسل عبر ذاكرتنا صوراً لجد يعطينا وجدة تقبلنا، ومنافسة بيننا حول من أحضر كماً أكبر ومن هو صاحب القرقاعوه الأفضل.. صور أب لا يفطر ليلتها إلا وقد أحضر كيس القرنقعوه لتوزع على أطفال الحي.
وأم تبتكر أطباقاً من مكسرات المحصول الذي عدنا به إلى البيت..
صور لزمن جميل جمعنا أولاداً وبنات، ندور وحدنا في الليل الآمن، لا نخشى شيئاً ولا أهلنا علينا يخشون، لذلك حرصنا على نقل هذا الغنى والجمال جيلاً بعد جيل.. ولم نقف يوماً عند اسمها بل وجدناه ملائماً لتشكيلة المكسرات وأصواتها المتباينة في الكيس، لم نسأل يوماً من أين جاء الأحباب بهذه الفرحة الملونة التي تضيء سماء منتصف رمضان المبارك؟ واكتفينا بأن نعيشها صغاراً وكباراً.
إلا أنه ومنذ سنوات قليلة مضت بدأت ترتفع أصوات تشجب وتستنكر (كعادة الأصوات العربية) عادة القرنقعوه، وبالغ البعض بوصفها بدعة وراح يرسل في الأفق فتاوى تسمها بهذا، وليته توقف عند فتواه بل راح يهدد المؤيدين بالويل والثبور وعظائم الأمور، متناسياً أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقرّ كثيراً من عادات الجاهلية التي لا تتعارض مع الإسلام..
ولو أن رسولنا الكريم تعامل مع الناس على هذا النحو لنفروا من الإسلام ولم يدخلوه زرافات ووحداناً كما حدث نتيجة لرقة الرسول ورقيه وروعة أسلوبه.
أنا لا أرى بدعة في القرنقعوه، لأنني معتدلة ووسطية ومتأكدة من أن الإسلام دين الفرح والسلام.
إنما البدعة هي تصدي العوام للفتيا واختيار المتطرف منها، وجعل المفتين فوق الأخذ والرد رغم أنهم بشر قد يخطئون وهذ وارد.. وديننا العظيم يؤجر المجتهد المصيب بأجرين والمجتهد المخطئ أجراً واحداً فلا تحجروا واسعاً وتضيّقوا علينا.
إضاءة..
إلى عشاق المظاهر الذين أحدثوا في القرنقعوه أموراً حولتها إلى مجرد شو إعلامي خالٍ من عبق التراث وروح البساطة إلا من رحم الله.
دعوا القرنقعوه على حالها فهي كنز من الفرح والعذوبة والنقاء... لا تلوثوه!!
— نورة المسيفري