صديقتان مقربتان اكتسبت معرفتهما في أوقات متباعدة، واحدة عرفتها في المرحلة الابتدائية، حيث لذة استكشاف الروابط خارج أسوار البيت.. والأخرى عرفتها وأنا أستعد لمغادرة الحياة العملية، حيث اخترت التقاعد مبكراً لأتفرغ للكتابة..
فأصبحتا صديقتي العمر الجميل.
تعلمت على يديهما المعنى الحقيقي للسخط والرضا.. عبر حادثتين أسردهما لكم للهدف ذاته.
نقاء
فقدت أخاها الذي أصيب بجلطة مفاجئة وهو يجلس معها، وتوفي إلى رحمة الله بعد شهر في العناية المركزة ذاق خلاله صنوف العذاب تحت مرأى ومسمع أخته الوحيدة التي ساندها في طلاقها، ودعمها في تربية أولادها..
هي ابنة وحيدة وهو واحد من تسعة إخوة.
ورغم فقدانها والدها وثلاثة من إخوتها قبله إلا أن الانهيار الذي أصابها بعد وفاة هذا الأخ كان عظيماً.
في البدء
قدرت هذا الحزن العظيم والتمست لها سبعين عذراً إلا أنه بعد ثلاث سنوات لا عذر لها، لأنها خرجت من الحزن إلى السخط على القدر وإرادة الله عز وجل.
فباتت تعيش في حلقة مفرغة من الحزن والألم واجترار ذكريات الموت واعتزال الناس وأولهم أولادها، حتى فقدت شهيتها للحياة، وتساوت عندها الأفراح والأتراح..
إنه السخط وعدم الرضا بقضاء الله...أورثها مزيداً من الأوجاع.
أما لؤلؤة
فقد فقدت زوجها الشاب إثر جلطة مفاجئة وسريعة اختطفته ليلة عودتها من السفر، فلم تسمح لها الظروف بوداعه ودفنه وهي تقطع مسافة العودة إلى الوطن..
فجعنا بذلك وحزنا حزناً شديداً، لكننا عزمنا على استقبالها بالتخفيف عنها.
وأي جهد يخفف لوعة فقد الإلف؟
وأي عزاء ينفع روحاً بات جزء منها تحت التراب؟؟!
إلا أنه
ورغم الفاجعة أبدت لؤلؤة ثباتاً واستسلاماً رائعاً لقضاء الله من أجل صغارها..
فصمدت في وجه رياح الحزن كطود شامخ، وإن نحتت تلك الرياح بعضاً من آثارها عليه.
كلما رأيتها
رأيت صورة جميلة للرضا والإيمان الحقيقي الذي يلعب دوراً عميقاً في مساندة الإنسان حين يواجه المصائب والابتلاءات...
حزينة أنا على نقاء التي صمّت أذنها عن نصحنا
وفخورة بلؤلؤة التي تدير حياتها برضاً وثبات.
وكلما زرتهما تذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ قَوْماً ابْتَلاهُمْ، فمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ «.
إضاءة
السخط واجترار الحزن لن يعيد ميتاً
بل ربما يضيف إليه الحزين عليه!!!
بينما الرضا واستئناف الحياة بحزن نبيل إيجابي يتمثل في الحفاظ على الأبناء وتربيتهم ليكونوا خير خلف لخير سلف، يثري الحياة ويمطر الصبر على القلب المحزون.
غفر الله لموتى المسلمين وأسكنهم فسيح جناته.
— نورة المسيفري