تشير تقارير اقتصادية إلى أن بعض التجار يعتبرون شهر رمضان موسماً ذهبياً لترويج سلعهم، والتخلص من بضائعهم المنتهية صلاحيتها، أو القريبة من ذلك أو الفاسدة، نتيجة التخزين وغيره من العوامل في ظل التسوق العشوائي الذي ينتاب الناس قبل هذا الشهر الكريم وخلاله.. ويحذر الاقتصاديون أن الكثير من التجار يقومون بعروض مغرية ليتخلصوا من تلك البضائع الفاسدة!! وشددوا على ضرورة أن يكون الإنسان رقيباً على نفسه، ويكتشف تلك اللعبة دون الحاجة إلى الجهات الرقابية!! فإدارة حماية المستهلك تقوم بدور مشهود ومشكور في متابعة الفاسد من البضائع ومصادرته، وتغريم التاجر إلى حد إغلاق محله، لكن يبقى الخير والشر في صراع حتى قيام الساعة.. وتنظم هذه الإدارة حملة توعية بعنوان (رمضان السنة غير) التي توعي بمضار الإسراف وتنشر قيم الاعتدال، وتوصي بضرورة التغيير في سلوكياتنا الاستهلاكيّة!! وفي رأيي أن التقرير الاقتصادي أعلاه يشير إلى نتيجة واضحة لسلوكياتنا العجيبة التي نستقبل بها رمضان الكريم، وكأننا سنتعرض لمجاعة أو حظر تجوال فلا نستطيع التزود بالطعام والشراب خلال أيامه المباركة! إن الصوم لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب والشهوات، وإنما هو مدرسة شاملة تغيّرنا للأفضل إذا ما وعينا دروس الصيام.. وهو فرصة عظيمة للتخلص من سلوكيات خاطئة نحاسب عليها واستبدالها بأخرى صحيحة نؤجر عليها، ومنها الإسراف الذي يجب أن نصوم عنه لنتحول خلال ثلاثين يوماً مباركاً إلى معتدلين ندرك مقاصد الصيام وقيمة المال.. يكفينا أن نتذكر الآية الكريمة: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: 13] لنتوقف حالاً عن أن نكون منهم، فغايتنا في الدنيا أن نكون من المحبوبين المرضي عنهم يوم الدين بإذنه تعالى. وللتخلص من الإسراف كعادة علينا استشعار أهمية هذه الخطوة، واتخاذ الإجراءات التنظيمية اللازمة للتخلص منها بالتزود بما يكفي حاجتنا لأسبوع تلو الآخر، وهذا لن يتأتى إلا إذا أشرفت ربة البيت بنفسها على التموين بإعادة ترتيب الموجود ورصد المطلوب في قائمة مشتريات وميزانية محددة واجبة النفاذ دون زيادة أو نقصان مهما كانت المغريات.. فمن المهم أن تكون عملية الشراء عملية منظمة لا عشوائية، تنم عن فهم وتقدير عالٍ للمال، ولا ضير من الشراء من العروض الترويجية شرط مراقبة حالة البضائع وتاريخ انتهائها وأسعارها. وليكن مغزى الصيام كعبادة ترتقي بالنفس البشرية وتعلو بها فوق الشهوات حقيقة ماثلة أمام أعيننا، ليتحول الطعام والشراب إلى معين عليها وعلى أداء الصلاة في حينها، والاستمتاع بالتراويح والدروس الدينية والاعتكاف غاية الاستمتاع.. وهذا لن يتأتى لنا إلا إذا نفذنا الوصية الإلهية الرائعة: وكلوا... واشربوا... ولا تسرفوا. إضاءة: أوصيكم بالإسراف في حالة واحدة فقط وهي في التزود بالغذاء الروحي كالاستماع لمحاضرات حول الصيام ومطالعة أحكامه للتفقه فيه، فليس كالصيام عبادة نتقرب بها إلى الله عز وجل.. نسأله القبول والجزاء الأوفى.. وكل عام وأنتم إلى الله أقرب وأحب.
— نورة المسيفري